عبد الوهاب الشعراني
250
تنبيه المغترين
ويعمل منها موالد ويطعم الناس تأليفا لقلوبهم أو لتعظم له عليهم الرياسة ، وبعضهم يقبل الشبهات على اسم الفقراء ويأكلها وحده وهذا أقبح حالا من الأول . وقد حث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الصدقة وقال : [ اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة ] ، ومعلوم أن الصدقة من الشبهات لا تقي صاحبها من النار ، وقد كانت عائشة رضي اللّه عنها تقول : قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : [ يا عائشة إذا طبختم قدرا فأكثروا من مرقتها وتعاهدوا الجيران ] ، وكذلك قال صلى اللّه عليه وسلم لأبي الدرداء رضي اللّه عنه : « يا أبا الدرداء إذا صنعت طعاما فأكثر المرق وتعاهد جيرانك ، وقد تصدقت عائشة رضي اللّه عنها بسبعين ألف درهم وإن درعها لمرقع . وكان مجاهد رحمه اللّه تعالى يقول : لا يتصدق أحدكم إلا بما يشتهيه فإن اللّه تبارك وتعالى يقول : [ وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ ] « 1 » أي وهم ويشتهونه ، وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يقول : اللهم اجعل الفضل عند خيارنا فلعلهم يعودون على أولي الحاجة منا ، وكان عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى يقول : تصدقوا فإنه بلغنا أن الصلاة تبلغ العبد نصف الطريق والصوم يبلغه باب الملك والصدقة تدخله على الملك ، وفي الحديث [ إن عابدا عبد اللّه سبعين سنة ثم أصاب فاحشة فأحبط عمله بها ثم نزل يغتسل فمر به مسكين فتصدق عليه برغيف فغفر اللّه له ذنبه ورد عليه عمله ] ، وفي الحديث أيضا [ باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتجاوزها ] وقد كان الصحابة رضي اللّه عنهم لا يخرجون لصلاة الصبح إلا بشيء يتصدقون به على أول مسكين يلقونه ولو بلقمة أو بصلة أو زبيبة . وكان يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى يقول : ما أعرف حبة توزن بجبال الدنيا إلا حبة الصدقة ، وكان إبراهيم النخعي رحمه اللّه تعالى يقول : تصدقوا بالسليم فإنه لا ينبغي أن يكون فيما يخرجه المرء للّه تعالى عيب أو نقص ، وقد سئل الإمام مالك رضي اللّه عنه عن شرب الأغنياء من الماء الذي يسبل في المسجد ، فقال : لا بأس به لأنه إنما جعل للعطشان كائنا ما كان ولم يرد صاحبه تخصيص أهل الحاجة به . وكان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول : اكتسبوا من الحلال وتصدقوا منه فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : [ من لم يبال من أين اكتسب المال لم يبال اللّه به أن يدخله النار ] ا ه ، وفي الحديث [ من أصاب مالا من مأثم فوصل به رحما أو تصدق به أو أنفقه في سبيل اللّه جمع له ذلك جميعا ثم قذف به في نار جهنم ] ، وقد كانت عائشة رضي اللّه عنها تقول : إنكم
--> ( 1 ) سورة الإنسان : الآية 8 .